قول الإمام القرطبي في الخلافة
قال الإمام القرطبي في تفسيره ، في قوله تعالى : {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع , لتجتمع به الكلمة , وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصماً , وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه , قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك , وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم , وتناصفوا فيما بينهم , وبذلوا الحق من أنفسهم , وقسموا الغنائم والفي ء والصدقات على أهلها , وأقاموا الحدود على من وجبت عليه , أجزأهم ذلك , ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك . ودليلنا قول الله تعالى : { إني جاعل في الأرض خليفة } البقرة 30 , وقوله تعالى : { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ص 26 ، وقال : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } النور 55 ، أي يجعل منهم خلفاء
إلى غير ذلك من الآي
وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين , حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير, فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك , وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش , ورووا لهم الخبر في ذلك , فرجعوا وأطاعوا لقريش . فلو كان فرض الإمام غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليه ا, ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم , فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة , ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك , فدل على وجوبها وأنها وكن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين
والحمد لله رب العالمين
وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا, وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل, فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد, لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن , وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل , وهذا واضح
فإن قيل وهي
الخامسة : إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع, فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم , أم من جهه اختيار أهل الحل والعقد له , أم بكمال خصال الأئمة فيه, ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه؟
فالجواب أن يقال : اختلف الناس في هذا الباب , فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام , وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إلي ه, وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا, وأبطلوا القياس أصلا وفرعا. ثم اختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر, وفرقة تدعي النص على العباس , وفرقة تدعي النص على علي بن أبى طالب رضي الله عنهم
والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك , لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين , ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف , وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر, وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين , وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين , لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواتراً أوجب العلم ضرورة أو استدلالاً, أو يكون من أخبار الآحاد , ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة , إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه , كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات , وصوم رمضان , وحج البيت ونحوها , ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة , فبطلت هذه الدعوى , وبطل أن يكون معلوماً بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به . وأيضاً فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان , وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس , لأن لكل واحد منهما قوماً ينقلون النص صريحاً في إمامته , وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد, إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر . وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص , ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص , وهم الخلق الكثير والجم الغفير . والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية , ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما
السادسة : في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه , وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت , وخالفت أمر الرسول عناداً, منها قوله عليه السلا م: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». قالوا: والمولى في اللغة بمعنى أولى , فلما قال : (فعلي مولاه ) بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله مولى أنه أحق وأولى . فو
المزيد