حصاد .. القسم الأول - ( 6 ) كيف قام الكيان الإسرائيلي؟
كتبهاسيف الحق ، في 6 كانون الأول 2006 الساعة: 10:00 ص
حصاد .. القسم الأول - ( 6 ) كيف قام الكيان الإسرائيلي؟
لقد أفرزت الحرب العالمية الأولى سقوط ألمانيا وهدم دولة الخلافة ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني حسب نصوص معاهدة سايكس- بيكو بين الدولتين المنتصرتين فرنسا وبريطانيا .
وكانت بريطانيا خلال الحرب قد وعدت بإعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين سمي بوعد بلفور سنة 1917م وأثناء فترة الانتداب كان اليهود يأتون إلى فلسطين مهاجرين ، وقد شكلوا عدة عصابات ، مثل عصابة الهاجناه وعصابة شتيرن وغيرهما ، وكانوا يتدربون على السلاح استعداداً لإقامة دولة إسرائيل ، وأما الفلسطينيون فكان يحظر عليهم حمل السلاح أو اقتناؤه ، وكان هناك عدة حركات ثورية لا شأن لها تعمل ضد الإنجليز. وكان إلى جانب فلسطين إمارة الأردن وأميرها عبد الله بن الحسين ، وكان بينه وبين الوكالة اليهودية برئاسة موسى شرتوك علاقات طيبة ، وقد أجرهم غور كبد ، وكان يأخذ منهم راتباً هو وبعض رجالاته ( راجع الجذور الأردنية ) .
ولما انتهى موعد الانتداب البريطاني ، وآذنت القوات البريطانية بالرحيل من فلسطين ، سلمت أسلحتها للعصابات اليهودية ، وأذكر وأنا في سن العشرين يوم ذاك ، إن الجيش الأردني الذي يقوده السير جون كلوب كان يحرس المعسكر الإنجليزي في وادي الصرار - وادي حنين - وكانت أسلحة المعسكر تنقل في سيارات كبيرة إلى تل أبيب اليهودية ولا يسمح للجيش الأردني لأحد من الفلسطينيين أن يأخذ قطعة سلاح .
وبدأت العصابات الصهيونية باحتلال ما جاورها من القرى مستخدمة سلاحها الحديث ، وليس بأيدي المقاومة الفلسطينية إلا القليل من الأسلحة المصدئة من مخلفات الحرب العالمية الثانية.
تقدمت الجيوش العربية وأخذ كل جيش المنطقة المقررة له حسب ترتيبات دولهم ، وكانت منطقة الجيش المصري من الحدود المصرية إلى بيت لحم القريبة من القدس بما في ذلك منطقة الخليل وغزة وبئر السبع ، وكان الجيش الأردني في القدس ورام الله واللد والرملة ، وكانت منطقة المثلث بما فيها نابلس وجنين مع الجيش العراقي ، وكانت منطقة شمال فلسطين مع السوريين واللبنانيين .. وكنا نظن أن هذه الجيوش جاءت لمنع اليهود من التوسع في احتلال الأراضي وإقامة كيانهم الذي نص عليه قرار التقسيم لعام 1947م .
وكان الأمر المحير لدى سواد الشعب الفلسطيني هو أن الجيوش العربية في فلسطين تقاتل اليهود ، وفي نفس الوقت تبعث الدول العربية ما عندها من رعيتها من اليهود إلى فلسطين ليزيدوا الصهاينة في فلسطين عدداً وعدة للقتال معهم والوقوف في وجه الدول العربية .. ولكن العدد الواعي من الفلسطينيين كان يدرك أن هذه الجيوش ما جاءت لقتال يهود ومنعهم من احتلال البلاد وطرد العباد ، ولو كانت الجيوش قد جاءت للقتال لما أرسلت مصر والسودان 65 ألف يهودي وأرسلت المغرب 483 ألف يهودي وأرسلت تونس والجزائر 124 ألف يهودي وأرسلت ليبيا 77 ألف يهودي وأرسلت العراق 267 ألف يهودي وأرسلت اليمن 165 ألف يهودي وأرسلت إيران 126 ألف يهودي وأرسلت تركيا 91 ألف يهودي وأرسلت الهند وباكستان 98 ألف يهودي .
وبعد تسليم الجيش الأردني مدينتي اللد والرملة وشاع بين الفلسطينيين ارتكاب الخيانة وعمت الأخبار البلاد العربية بدأ اللغط بين الدول والجيوش ، وأخذت الدول تسحب جيوشها باتهام الواحدة تلو الأخرى لتوجد لنفسها مبرراً في سحب قواتها ، وترك الأمر للملك عبد الله بن الحسين ولجيشه حماية البلاد .
وكانت علاقة الملك عبد الله مع اليهود علاقة حميمة وخضوعه للأوامر البريطانية لا تحتج إلى شرح ولا يستطيع إلا تنفيذ ما تريده ، فكان السير كلوب كلما أمر بانسحاب سرية من منطقة يستلمها اليهود حتى حصلت الهدنة بين الطرفين ، وكانت منطقة الخليل قد استعصت على اليهود ، فتقدم الجيش الأردني في جنح الليل لمساعدة اليهود فاحتلوا 14 قرية من قرى الخليل خلال الهدنة ، فهرع الناس إلى الملك عبد الله داخلين عليه ليحمي لهم بلادهم ، وأوحي للناس من قبل شياطين بريطانيا بأن الملك عبد الله لا يكون جاداً بحمايتها إلا بإعلان الولاء له والانضمام لمملكته ، فكان ما كان ، وانضمت الضفة الغربية للأردن ، ولم يقم للشعب الفلسطيني كيان .
ولكن الوحدة بين الضفتين لم يعترف بها أحد من الدول .. فتعطل القسم الثاني من المشروع الأمريكي وهو إقامة دولة فلسطينية حسب قرار هيئة الأمم لتقسيم فلسطين إلى كيانين عام 1947م ولما استقرت الحدود بين الأردن وإسرائيل ، أقام الأردن قوة من الدرك لحماية الحدود ومنع الفلسطينيين من التسلل داخل الحدود ، وكانت خطوط الاتصال بين المخافر الأردنية وحرس الحدود الإسرائيلي ممتدة على الأرض ، والويل كل الويل لمن يمسك من الفلسطينيين متسللاً إلى بلده عبر الحدود ليأخذ ما يستطيع من المواد الغذائية أو من الفرش أو من الملابس التي تركها أثناء هروبه من وجه القوات الإسرائيلية التي ما كانت لترحم من تلقي القبض عليه صغيراً أو كبيرا ً.
كان الناس قد خرجوا تاركين أمتعتهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء معهم أطفالهم وبعض شيوخهم العجز وقد أعياهم طول المسير ، والبعض منهم يحمل أمتعته على ظهره ولا يجد في طريقه طعاماً ولا شراباً ، بل يتكفف الناس الذين يمر بهم ،، وكانوا يأوون إلى الكهوف والمغاور والخرب القديمة ليسكنوا فيها ، ويمكث واحدهم أكثر من شهر لا يغسل رأسه أو وجهه إلا إذا كان لمجرد الوضوء وكانت ثيابهم يملأها القمل والبراغيث تلدغ أجسامهم نتيجة الوساخة والوضع الذي يرزحون تحت عبئه ، وكانت القوات الأردنية تلاحق كل من ينزل إلى داخل الحدود ليقوم بعمل ضد اليهود فكانت حراستهم لليهود أكثر من حراسة اليهود لأنفسهم .
هكذا قام الكيان الإسرائيلي على أنقاض هدم البيوت وقتل أهلها وتشريدهم من أوطانهم وتعاونت بريطانيا وأمريكا على تقويته .. وتنافستا على أخذ تبعيته ليكون شرخاً في *** جسد الأمة الإسلامية وجسراً يعبران عليه لإخضاعها وإذلالها ، وإبقائها مقسمة إلى بضع وخمسين كياناً هزيلاً على كل كيان حاكم عميل يدين لهما بالولاء ينشرون فيه الحضارة الغربية .. وليكون الكيان الإسرائيلي مركزاً لنفوذ الاتحاد الاحتكاري الرأسمالي في المنطقة كلها .
وأما الكيان الفلسطيني فبقي معطلاً عن القيام بسبب انضمام الضفة الغربية للكيان الأردني من جهة ولكون أمريكا صاحبة مشروع التقسيم ليس لها عملاء تعتمد عليهم مثلما اعتمدت بريطانيا على عملائها في إقامة الكيان الإسرائيلي وتعطيل قيام الكيان الفلسطيني من الجهة الأخرى .
ولما قامت الثورة المصرية عام 1952م بزعامة جمال عبد الناصر وتبنى الوحدة العربية ونادى بها ، تجاوبت معه الأقطار العربية كلها لرغبتها في الوحدة ولم تكن الشعوب ولا الأحزاب الشيوعية والقومية تدرك عمالته لأمريكا عدا حزب التحرير فإنه كان يدرك عمالته ويلاقي الجفاء من الأمة كلما كشف أعمال عبد الناصر الذي جعلت منه رجل دولة وهي :
1. جلبه للسلاح من وراء الستار الحديدي - أي من المعسكر الشرقي - الذي كان يحظر على الدول العميلة للغرب أن تقيم علاقات دبلوماسية معه .
2. تأميمه قناة السويس من البريطانيين والفرنسيين .
3. بناء السد العالي بواسطة المهندسين الروس .
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت أمريكا الدولة الأولى في العالم وصارت تعمل على تحرير الأقطار المستعمرة من قبل بريطانيا وفرنسا لتحل محلهما فتمكنت بواسطة فئة من القوات المسلحة في الجيش المصري تسمي نفسها الضباط الأحرار وعلى رأسهم جمال عبد الناصر تمكنت من أخذ الحكم في مصر ، وصارت تعمل لتقوية عميلها ليكون قادراً على خدمة مصالحها وكان بإمكانها أن تمده بالسلاح إلا أنه كان هناك اتفاق ثلاثي بينها وبين حليفتيها فرنسا وإنجلترا بعدم تزويد أحد بالسلاح إلا بموافقة الجميع فأوعزت لجمال عبد الناصر أن يشتري السلاح من المعسكر الشرقي أو من وراء الستار الحديدي كما يسمونه ، والممنوع على الدول التابعة للغرب أن تكون لها علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي أو الدول التابعة له ، وجاء وزير خارجية أمريكا يقول لعبد الناصر بأنه بشرائه صفقة السلاح من المعسكر الشرقي سيكون رجل دولة .. فاشترى الصفقة فاشتدت شوكته وقوي نفوذه .
وأوعزت له بأن يؤمم قناة السويس والتي هي ملكية للشركات الإنجليزية والفرنسية فأعلن يوم 26 تموز 1956 تأميم قناة السويس فثارت ثائرة الإنجليز و الفرنسيين فأخذتا تستعدان لمواجهة مصر وسخرتا معهما إسرائيل ، وبعد ثلاثة أشهر شنت الدول الثلاثة هجوماً براً وبحراً وجواً واستنكرت الدول هذا الهجوم وقبيل أن يتمكن العدوان من النزول في بور سعيد وجه خورشوف تحذيراً لدول العدوان مصحوباً بتهديد شديد ، فوقف العدوان وكانت إسرائيل في هذه الفترة قد احتلت قطاع غزة وسيناء وشرم الشيخ ووقفت على الجانب الشرقي لقناة السويس ولكي تزيد أمريكا في قوة نفوذ عميلها شجعته على مشروع الوحدة العربية لإخراج الإنجليز من منطقة الشرق الأوسط .
وكان كل ذلك بإيعاز من أمريكا ليكون قادراً على تنفيذ مشاريعها وتصفية النفوذ الإنجليزي والفرنسي من منطقة الشرق الأوسط .
ثم استطاعت أمريكا أن تخترق القوات العراقية وتستميل أحد الضباط الكبار - عبد الكريم قاسم - وقام هذا بدوره بانقلاب على الهاشميين فضرب قصر الرئاسة واستولى على الحكم بعد قتل الملك فيصل وعبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد ، ولم تستطع الأردن أن تحرك ساكناً إذ كان بينها وبين العراق اتحاد فدرالي فقوي النفوذ الأمريكي بعد عام 1958م أي بعد الانقلاب في بغداد .
أوعزت أمريكا لجمال عبد الناصر بالعمل لإقامة الكيان الفلسطيني وكان غرضها من هذا الكيان أن يكون عازلاً بين إسرائيل والأردن ليظل الكيان الإسرائيلي محجماً في أرضه وفي قبضة أمريكا ، وكان اليهود يدركون هذه الحقيقة ويعملون بالتعاون مع بريطانيا على عدم تحقيقها .. وكان أول عمل قام به جمال عبد الناصر لإحياء الكيان الفلسطيني أن أرسل رسالة لرئيس الوزراء الأردني هزاع المجالي فحصل تجاوب من هزاع فدبر الإنجليز اغتياله مباشرة .
يتبع >>>> ( 7 ) قيام منظمة التحرير الفلسطينية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : القسم السياسي | السمات:القسم السياسي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























